السيد عباس علي الموسوي
155
شرح نهج البلاغة
16 - ومن كلام له عليه السلام لما بويع في المدينة وفيها يخبر الناس بعلمه بما تؤول إليه أحوالهم وفيها يقسمهم إلى أقسام ذمّتي بما أقول رهينة . وأنا به زعيم . إنّ من صرّحت له العبر عمّا بين يديه من المثلات ، حجزته التّقوى عن تقحّم الشّبهات . إلّا وإنّ بليّتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث اللّه نبيهّ صلّى اللّه عليه وسلّم . والّذي بعثه بالحقّ لتبلبلنّ بلبلة ، ولتغربلنّ غربلة ، ولتساطنّ سوط القدر ، حتّى يعود أسفلكم أعلاكم ، وأعلاكم أسفلكم ، وليسبقنّ سابقون كانوا قصّروا ، وليقصّرنّ سبّاقون كانوا سبقوا . واللّه ما كتمت وشمة ، ولا كذبت كذبة ، ولقد نبّئت بهذا المقام وهذا اليوم . ألا وإنّ الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها ، وخلعت لجمها ، فتقحّمت بهم في النّار . ألا وإنّ التّقوى مطايا ذلل ، حمل عليها أهلها ، وأعطوا أزمّتها ، فأوردتهم الجنّة . حقّ وباطل ، ولكلّ أهل ، فلئن أمر الباطل لقديما فعل ، ولئن قلّ الحقّ فلربّما ولعلّ ، ولقلّما أدبر شيء فأقبل . قال السيد الشريف : وأقول : إن في هذا الكلام الأدنى من مواقع الإحسان ما لا تبلغه مواقع الاستحسان ، وإن حظ العجب منه أكثر من حظ العجب به . وفيه - مع الحال التي وصفنا - زوائد من الفصاحة لا يقوم بها لسان ، ولا يطلع فجّها إنسان ، ولا يعرف ما أقول إلا من ضرب في هذه الصناعة بحق ، وجرى فيها على عرق ، « وما يعقلها إلا العالمون » .